* الاحتضار‏ :

* الاحتضار‏ :

و بدأ الاحتضار فأسندته عائشة إليها، وكانت تقول‏:‏ إن من نعم الله على أن رسول الله صلى الله عليه وسلم توفي في بيتي وفي يومي وبين سَحْرِي ونَحْرِي، وأن الله جمع بين ريقي وريقه عند موته‏.‏ دخل عبد الرحمن ـ بن أبي بكر ـ وبيده السواك، وأنا مسندة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فرأيته ينظر إليه، وعرفت أنه يحب السواك، فقلت‏:‏ آخذه لك‏؟‏ فأشار برأسه أن نعم‏.‏ فتناولته فاشتد عليه، وقلت‏:‏ ألينه لك‏؟‏ فأشار برأسه أن نعم‏.‏ فلينته، فأمره ـ وفي رواية أنه استن به كأحسن ما كان مستنا ـ وبين يديه رَكْوَة فيها ماء، فجعل يدخل يديه في الماء فيمسح به وجهه، يقول‏:‏ ‏(‏لا إله إلا الله، إن للموت سكرات‏.‏‏.‏‏.‏‏)‏ الحديث‏.‏

وما عدا أن فرغ من السواك حتى رفع يده أو أصبعه، وشخص بصره نحو السقف، وتحركت شفتاه، فأصغت إليه عائشة وهو يقول‏:‏ ‏(‏مع الذين أنعمت عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، اللهم اغفر لي وارحمني، وألحقني بالرفيق الأعلي‏.‏ اللهم، الرفيق الأعلي‏)‏‏.‏كرر الكلمة الأخيرة ثلاثاً، ومالت يده ولحق بالرفيق الأعلي‏.‏

إنا لله وإنا إليه راجعون‏.‏
وقع هذا الحادث حين اشتدت الضحي من يوم الاثنين 12 ربيع الأول سنة 11هـ، وقد تم له صلى الله عليه وسلم ثلاث وستون سنة وزادت أربعة أيام‏.‏

* تفاقم الأحزان على الصحابة‏‏ :
وتسرب النبأ الفادح، وأظلمت على أهل المدينة أرجاؤها وآفاقها‏.‏ قال أنس‏:‏ ما رأيت يوماً قط كان أحسن ولا أضوأ من يوم دخل علينا فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وما رأيت يوما كان أقبح ولا أظلم من يوم مات فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم‏.‏

ولما مات قالت فاطمة‏:‏ يا أبتاه، أجاب ربا دعاه‏.‏ يا أبتاه، مَنْ جنة الفردوس مأواه‏.‏ يا أبتاه، إلى جبريل ننعاه‏.‏

* موقف عمر‏ :
ووقف عمر بن الخطاب يقول‏:‏ إن رجالاً من المنافقين يزعمون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم توفي، وإن رسول الله صلى الله عليه وسلم ما مات، لكن ذهب إلى ربه كما ذهب موسي بن عمران، فغاب عن قومه أربعين ليلة، ثم رجع إليهم بعد أن قيل‏:‏ قد مات‏.‏ و والله، ليرجعن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فليقطعن أيدي رجال وأرجلهم يزعمون أنه مات‏.‏

* موقف أبي بكر‏‏ :
وأقبل أبو بكر على فرس من مسكنه بالسُّنْح حتى نزل، فدخل المسجد، فلم يكلم الناس، حتى دخل على عائشة فتيمم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو مغشي بثوب حِبَرَة، فكشف عن وجهه ثم أكب عليه، فقبله وبكي، ثم قال‏:‏ بأبي أنت وأمي، لا يجمع الله عليك موتتين، أما الموتة التي كتبت عليك فقد مِتَّهَا‏.‏

ثم خرج أبو بكر، وعمر يكلم الناس، فقال‏:‏ اجلس يا عمر، فأبي عمر أن يجلس، فتشهد أبو بكر، فأقبل الناس إليه، وتركوا عمر، فقال أبو بكر‏:‏
أما بعد، من كان منكم يعبد محمداً صلى الله عليه وسلم فإن محمداً قد مات، ومن كان منكم يعبد الله فإن الله حي لا يموت، قال الله‏:‏ ‏{‏وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَن يَنقَلِبْ عَلَىَ عَقِبَيْهِ فَلَن يَضُرَّ اللّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللّهُ الشَّاكِرِينَ‏}‏ ‏[‏آل عمران‏:‏144‏]‏‏.‏

قال ابن عباس‏:‏ والله لكأن الناس لم يعلموا أن الله أنزل هذه الآية حتى تلاها أبو بكر، فتلقاها منه الناس كلهم، فما أسمع بشراً من الناس إلا يتلوها‏.‏
قال ابن المسيب‏:‏ قال عمر‏:‏ والله، ما هو إلا أن سمعت أبا بكر تلاها، فعرفت أنه الحق، فعقرت حتى ما تُقُلِّني رجلاي، وحتى أهويت إلى الأرض حين سمعته تلاها، علمت أن النبي صلى الله عليه وسلم قد مات‏.‏

* التجهيز وتوديع الجسد الشريف إلى الأرض‏‏ :
ووقع الخلاف في أمرالخلافة قبل أن يقوموا بتجهيزه صلى الله عليه وسلم، فجرت مناقشات ومجادلات وحوار وردود بين المهاجرين والأنصار في سَقِيفة بني ساعدة، وأخيرًا اتفقوا على خلافة أبي بكر رضي الله عنه، ومضي في ذلك بقية يوم الاثنين حتى دخل الليل، وشغل الناس عن جهاز رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى كان آخر الليل ـ ليلة الثلاثاء ـ مع الصبح، وبقي جسده المبارك على فراشه مغشي بثوب حِبَرَة، قد أغلق دونه الباب أهله‏.‏

ويوم الثلاثاء غسلوا رسول الله صلى الله عليه وسلم من غير أن يجردوه من ثيابه، وكان القائمون بالغسل‏:‏ العباس وعليّا، والفضل وقُثَم ابني العباس، وشُقْرَان مولي رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأسامة بن زيد، وأوس بن خَوْلي، فكان العباس والفضل وقثم يقلبونه، وأسامة وشقران يصبان الماء، وعلى يغسله، وأوس أسنده إلى صدره‏.‏

وقد غسل ثلاث غسلات بماء وسِدْر، وغسل من بئر يقال لها‏:‏ الغَرْس لسعد بن خَيْثَمَة بقُبَاء وكان يشرب منها‏.‏
ثم كفنوه في ثلاثة أثواب يمانية بيض سَحُولِيَّة من كُرْسُف، ليس فيها قميص ولا عمامة‏.‏ أدرجوه فيها إدراجًا‏.‏

واختلفوا في موضع دفنه، فقال أبو بكر‏:‏ إني سمعت رسول اللّه صلى الله عليه وسلم يقول‏:‏ ‏(‏ما قبض نبي إلا دفن حيث يـقبض‏)‏، فرفع أبو طلحة فراشه الذي توفي عليه، فحفر تحته، وجعل القبر لحداً‏.

ودخل الناس الحجرة أرسالاً، عشرة فعشرة، يصلون على رسول اللّه صلى الله عليه وسلم أفذاذاً، لا يؤمهم أحد، وصلي عليه أولاً أهل عشيرته، ثم المهاجرون، ثم الأنصار، ثم الصبيان، ثم النساء، أو النساء ثم الصبيان‏.‏

ومضى في ذلك يوم الثلاثاء كاملاً، ومعظم ليلة الأربعاء، قالت عائشة‏:‏ ما علمنا بدفن رسول اللّه صلى الله عليه وسلم حتى سمعنا صوت المسَاحِي من جوف الليل ـ وفي رواية‏:‏ من آخر الليل ـ ليلة الأربعاء‏.

المصادر والمراجع :
1- البداية والنهاية ( للحافظ ابن كثير , إسماعيل بن عمر بن كثير الدمشقى )
2- التاريخ الصغير ( للإمام أبى عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري )
3- السيرة النبوية ( لأبي محمد عبد الملك بن هشام بن أيوب الحميري )
4- السيرة النبوية ( لأبي حاتم محمد بن حبان بن أحمد التيمى البستى )
5-الرحيق المختوم ( صفى الرحمن المباركفورى )
6- الكامل في التاريخ ( لعز الدين بن الأثير أبو الحسن على بن محمد الجزرى )
7- مختصر سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم ( لشيخ عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب النجدى )‏

اللهم صل على محمد وعلى آل محمد
كما صلَّيت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم ، إنَّك حَميد مجيد‏.‏
اللهم بارك على محمد وعلى آل محمد
كما باركتَ على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنَّك حميد مجيد‏.

تعليقات الفيسبوك

اضف تعليق

Solve : *
14 ⁄ 7 =